حوار لصحيفة الوسط البحرينية

المخرج اللبناني بلال خريس 

لا أخفي الحقيقة… ولن أنزلق لمنحدر «البروباغندا»

عُرضت أفلامه في الإمارات و«الجزيرة الوثائقية» وصوَّر «الجارف» في بيجي
 
المخرج بلال خريس

المخرج بلال خريس

 الوسط البحرينية – منصورة عبدالأمير

«إن دخول المخرج في عمل حول بلد ما أو فئة ما أو حزب أو طائفة لا يعني بالضرورة انتماءه لهم أو ترويجه لأفكارهم، إلا إذا حرّف الحقيقة عن مسارها، وعندها لا يمكن السكوت».

هكذا بدأ المخرج اللبناني بلال خريس حديثه معي. ذلك جزء من رده على استفساري عن أحد أفلامه الروائية (الجارف) الذي كان الدافع الأساس للحوار معه.

وخريس، لمن لا يعرفه، هو منتج ومخرج لبناني متخصّص في تقديم الأفلام التوثيقية ذات الصبغة الدرامية «الدوكيودراما»، لكنه قدّم إضافة إلى ذلك عدداً من الأعمال السينمائية وعملاً درامياً تلفزيونياً واحداً. شغف بلال الأكبر يتعلق بالسينما بشكلها المألوف، يؤكد أنه يعشقها أكثر من الوثائقيات، لما تمتلكه من عناصر جذب وقوة «أكبر بمرات من الوثائقي». ولعل ذلك ما جعله يختار تضمين الدراما في وثائقياته. شهرته في منطقة الخليج تعود إلى عدد من أفلامه التوثيقية التي عرض بعضها في سينما فوكس في دولة الإمارات من خلال قناة الجزيرة الوثائقية، من بينها «السلاح في أيد ناعمة»، «أيام بلون الورد»، «الحرب الأمنية»، «أصبح عندي الآن بندقية»، «في عين العاصفة»، «الجار اللدود»، «نغمات فارسية»، «الريشة تحكي الحروب»، و»أبناء الجبل».

أما فيلم «الجارف» موضع حديثي مع خريس، وهو مخرجه وكاتب السيناريو الخاص به، فهو فيلم درامي طويل يحكي قصة حصلت في مدينة بيجي بشمال العراق أثناء حكم «داعش»، وكيف تم تحريرها بالتعاون بين أهالي المنطقة مع بعض فصائل المقاومة العراقية.

فيلمي لا يُمجِّد أحداً

سألت خريس بداية، وهو المخرج الذي تناقش أفلامه موضوعات متنوعة لا تنحاز لطرف، تسعى لكشف الحقيقة مهما كان ثمنها. سألته عمّا بدا في فيلم «الجارف» من تمجيد لبطولات فصيل عراقي محدّد. ألا يخشى أن يتهم بالتحيّز لأي طرف؟

جاء رده كما ذكرت بداية، ثم أضاف «(الجارف) لا يمكن تصنيفه إلا أنه فيلم ضد الإرهاب يحكي قصة مجموعة من الطوائف المختلفة اجتمعت معاً لقتال (داعش)، أبوجاسم وعائلته من السنّة، مصطفى وحسن من الشيعة، ومريم وعائلتها من المسيحية. حاولت أن أقول في فيلمي إن الإرهاب لا دين له، وعلى كل الطوائف أن تلتقي معاً لدحر هذا العدو واقتلاعه من أساسه».

يؤمن خريس بأن العمل السينمائي لا يمكن أن ينحازـ كما لا يمكن له تمجيد أي بطولات وإلا تحوّل إلى بروباغندا. يعرف خطورة أن تنزلق أفلامه التوثيقية إلى هذا المنحدر، لكنه يؤكد «كان لا بد من ذكر الطرف الذي حارب (داعش) وطرده من المدينة. (داعش) لم تطرده الجن ولا قوات عسكرية جاءت من كوكب المريخ. هذه الجهة التي ذكرناها في الفيلم (بشكل غير مباشر) كانت ضمن المجموعات التي قاتلت (داعش) وقدمت دماء لتحرير العراق من الإرهاب؛ سواء اتفقنا معها في السياسة والأداء أو لم نتفق. ما أريد قوله هو أن الإشارة بشكل غير مباشر للجهة التي قاتلت (داعش) ليس بالأمر الخطأ، الخطأ أن نكذب ونخفي الحقيقة».

فيلم «الجارف» لقي ترحيباً واسعاً في بعض الأوساط لكنه وعلى رغم جودة إنتاجه وتقديمه لم يتمكّن من الوصول إلى محافل أخرى. طلبت تفسيره للأمر، فقال خريس: «الفيلم لاقى ترحيباً قوياً في العراق بدءاً من اللجنة الفنية بوزارة الثقافة العراقية التي أجازت عرضه حيث كان التقدير ممتازاً ولله الحمد. قمنا بعرض افتتاحي للفيلم في بغداد وكان الحضور مزدحماً تجاوز عدد مقاعد صالة السينما». ويفسّر خريس هذا الإقبال بأن «الناس متعطّشة لمشاهدة أفلام سينمائية تحكي واقعها مع تضمين العمل حكاية إنسانية حصلت بين عائلة أبوجاسم الذي كان مختبئاً في بيجي المحتلة مع شباب المقاومة العراقية الذين قاموا بتنفيذ عملية ضد قاضي (داعش)»، مستدركاً «نعم الفيلم لم ينتشر بعد في الدول التي فكّرنا بها قبل إنتاجه وما زلنا نعمل على تسويقه. الفيلم ما زال جديداً ونتواصل مع شركات توزيع في العالم، ترجمناه إلى الإنجليزية، ونحن بحاجة لدوبلاجه تسهيلاً لتسويقه في دول اللغة الأجنبية».

المقاومة العراقية ليست كـ «داعش»

إضافة إلى التوثيق، ما الفكرة التي تقصد نقلها من الفيلم، وكيف جاءت هذه الفكرة أصلاً؟

– «الجارف» فيلم سينمائي حاولت من خلاله عرض فكرة أن الارهاب في العراق لا دين له، وأن العراقيين بكل طوائفهم ضد الارهاب ويتعاونون فيما بينهم لتنظيف العراق من الارهاب، وأن المقاومة العراقية ليست كـ (داعش) كما يتم الترويج له. بدأت الفكرة عندما قمت بزيارة الى بيجي شمال العراق، واستمعت لبعض القصص التي حصلت أثناء حكم (داعش) لتلك المنطقة في العام 2015. تولدت فكرة الفيلم وكتبتها على الأرض خلال أسبوعين فقط حيث كنت استمع للقصص وأحوّلها فوراً الى مشاهد سينمائية.

ما الصعوبات التي واجهتك أثناء التصوير؟

– في أغلب المجتمعات تتصدّى مجموعة من الناس للعمل في الحقل الفني والإعلامي مدركين مسبقاً لما سيواجهونه في مسيرتهم، مسيرة مهنة المتاعب. ولعل ما يخفف ذلك التعب هو الشهرة أو المال الوفيرـ ولكن يبقى الشغف هو أقوى الدوافع؛ وخصوصاً في الأعمال القريبة من الخطر كما حصل معنا أثناء تصوير الفيلم؛ إذ دخلنا بيجي لنصوّر بعد شهور قليلة على تحريرها و (داعش) يبتعد عنا مسافات قليلة، أردت التصوير في الأماكن الحقيقية لإعطاء الفيلم بعداً واقعياً صادقاً».

الدراما تؤثر.. أكثر

تُولي الأفلام التوثيقية ذات الصبغة الدرامية اهتماماً أكبر، لماذا هذا التوجه؟

-عملت على مدى سنوات أفلاماً وثائقية بلمسات درامية لقناعتي أن الدراما أكثر تأثيراً في المشاهد وجذابه لما تمتلكه من عناصر جذب سواء على صعيد القصة أو على صعيد أسلوب التصوير الدرامي. أخرجت أربعة عشر فيلماً من خلال شركتي (سبوت شوت) كمنتج منفذ والانتاج كان لصالح قناة الجزيرة الوثائقية، القناة الأولى في عالم الوثائقيات العربية دون منافس.

ما الذي تسعى لتوثيقه من خلال أفلامك؟ ولماذا قررت تأسيس شركة إنتاج خاصة بك «سبوت شوت»؟

– الأفلام الوثائقية التي عملتها تنوّعت بين اجتماعية وفنية وسياسية وأمنية وعسكرية، بحسب الموضوع والفكرة التي كنت أقترحها على القناة المنتجة (الجزيرة الوثائقية). أول فيلم وثائقي (دوكيودراما) أنتجته حمل عنوان «السلاح في أيدٍ ناعمة» وهو عن النساء اللبنانيات اللواتي حملن السلاح في الحروب اللبنانية؛ سواء الحرب الأهلية الداخلية أو الحرب ضد (إسرائيل). أردت القول من خلال هذا الفيلم إن المرأة عندما تحمل سلاحاً وتقاتل فهي لا تحمله للاستعراض ولا للمرجلة بل للدفاع عن أهلها وناسها وأحبابها وأولادها. لا بد لهذه الأفلام من قضية محقة تعالجها، وأنا أعتبر نفسي مخرجاً صاحب قضية لا يغريني العمل إذا لم يتضمن قضية وطنية أو فنية أو اجتماعية أو إنسانية. أنتجت بعده فيلم (أيام بلون الورد) وفيلم (أصبح عندي الآن بندقية) . ثم وجدت نفسي بحاجة لتأسيس شركة إنتاج لسبب وحيد وهو أن أحمي المخرج الذي في داخلي لأنكم تعلمون أن شركات الإنتاج همها الأساسي التوفير والربح وهذا الأمر كان يسبب لي حرجاً مع الشركات التي تعاونت معها، أن تكون أفلامي من تنفيذ شركتي معناها أنني أملك كامل الحرية في الصرف والانتاج دون الحاجة لموافقة أحد. الموضوع له علاقة بعشقي لأفلامي والحفاظ على مستواها قدر الإمكان.

عن المرأة والحرب

ماذا عن فيلم «قاهرات» الذي تعمل عليه حالياً؟ وما القضية التي توثقها من خلاله؟

– أشتغل حالياً على فيلم روائي سينمائي عن المرأة وحضورها في الحرب ضد الإرهاب، هناك نماذج عديدة لنساء لم ترضَ السبي والاغتصاب وفضلت أن تحمل البندقية لتحمي شرفها من شياطين الارهاب. هذا الفيلم الذي سيغلب عليه العنصر النسائي ما زال في خطواته الأولى ونحن نتواصل مع عدة جهات مستقلة يهمها أن تستثمر في السينما. والفيلم سيكون من إنتاج شركة «سبوت شوت» اللبنانية تحت إدارتي».

يشار إلى أن قائمة أعمال المخرج بلال خريس تضم دراما كوميدية «أما بعد» من بطولة الفنان اللبناني أحمد الزين، وأفلاماً درامية مثل «ستحين الساعة»، «هذا الرجل غيّرني»، «القلادة» وعدداً كبيراً من الأفلام التوثيقية والروائية التي ناقشت موضوعات متنوعة.